الجنيد البغدادي

46

رسائل الجنيد

تعالى فيها شيء ، انظر إلى آدم لما عصى اللّه تعالى تبرأت منه الجنة بكل ما فيها ، فلم يصحبه بعد ذلك من الجنة إلا ورقة ، وتبرأت منه بما فيها وأذاقته الهوان والمذلة ، وأما آخرها فشغل شاغل يشتغل بها العباد عن سيدهم ومعبودهم ، قال اللّه تعالى : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ [ يس : 55 ] ومع ذلك فإن العبد لا يصل إليها إلا بعد مدة طويلة ، وإن لم يخلف الموت والقبر والقيامة ، لا يصل إليها ، وإنه يصل إلى اللّه تعالى في كل نفس بل في كل طرفة عين ، بل أقل من ذلك ، قال اللّه تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] ، فعند ذلك يعتصم باللّه تعالى ، ويستعين به على قطع علائق ما دونه ، ولم يشتغل بها ، ولم يلتفت إليها ، إجلالا لحرمة ربه ، ويقول لها : يا محل الأنبياء ومعدن الأولياء إن الذي لا بد منه هو اللّه عز وجل ، وهو قادر على أن يغنيني عنك لأن الحاصل من الدارين هو اللّه عز وجل . فلما جاوز العبد هذه العقبة وقطع من قلبه حبال كل علاقة به ، وصفا سره من غبار التخاليط ، وصار قلبه منفردا للواحد الفرد ، واستراح من تعب هذه العقبات ، واستقامت له إمارة التجريد والتفريد « 1 » ، فحينئذ يواصل محبوبه ، ويتولاه من هو لا يرى خيرا إلا منه ، ونعم من مولى ومعين جلّ وعز ، فحينئذ استقبلته عقبة العطايا والكرامات والمواهب والمقامات ، وهي لا تحصى عددا ، فهذا أوان غض بصره عنها ، وأن لا يلتفت لها ولا إلى شيء منها حرمة لإجلال ربه ، ثم يبسط له ما يبسط من المحن والبلايا ، نوع بعد نوع ، وغير ذلك مما لا يصفه وأصف غيره ، ففي كل ذلك يقول : يا حبيبي وقرة عيني ويا غاية أملي ، أتوسل بك عليك أن لا تصرفني

--> ( 1 ) ؟ ؟ ؟ في معنى التجريد : أن يتجرد بظاهره عن الأعراض ، وباطنه عن الأعواض ، وهو ألا يأخذ من عرض ؟ ؟ ؟ شيئا ، ولا يطلب على ما ترك منها عوضا من عاجل ولا آجل ، بل يفعل ذلك لوجوب حق اللّه تعالى لا ؟ ؟ ؟ ، ولا لسبب سواه ، ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يحلها ، والأحوال التي ينازلها ، بمعنى السكون إليها والاعتناق لها . والتفريد أن ينفرد عن الأشكال ، وينفرد في الأحوال ، ويتوحد في الأفعال ، وهو أن تكون أفعاله للّه وحده ، فلا يكون فيها رؤية نفس ، ولا مراعاة خلق ، ولا مطالعة عوض ، ويتفرد في الأحوال عن الأحوال ، فلا يرى لنفسه حالا ، بل يغيب برؤية محولها عنها ، وينفرد عن الأشكال ، فلا يأنس بها ولا يستوحش منها . انظر : التعرف لمذاهب أهل التصوف للكلاباذي ، مكتبة الكليات الأزهرية ، ص : 133 ، وانظر أيضا : اللمع لأبى نصر السراج الطوسي ، تحقيق د . عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور ، ص : 425 ، د . حسن الشرقاوي : معجم ألفاظ الصوفية ، مؤسسة المختار ، ص : 81 .